Bayrouni
30-12-2004, 23:37
قال الراوي يا سادة يا كرام، ولا يحلى الكلام إلا بذكر النبيّ عليه الصلاة والسلام، الذي قال: "أطلبوا العلم من المهد إلى اللّحد"، ومن باب العلم نبدأ ذا المقام:
فيُحكى فيما يُحكى في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، أنه كان في بلادِ الهند ملكاً يُدْعى " تاج الأركان" ، وقد اشتُهِرَ بالعدل والحكمة والإحسان، وبحبّه للعلوم والفلسفة والشِّعر والبيان، فما بنى مدينةً إلاّ وجعَلَها تعجُّ بالمدارس والمكتبات، وأتى لها بأحسن المعلِّمين وبأشهر المعلِّمات، من جميع الأرجاء ومن كل الجِهات ...
وكانت كلَّ سنةٍ تُقامُ المُسابقات،في جميع الميادين وشتى الاختصاصات، تُقدَّمُ فيها جوائزُ ثمينةٌ للفائزين والفائزات ... فكان الناس حريصين على تعليمِ أبنائهم والبنات، عسى أن يفوزوا يوما بإحْدى الجائزات، أوقد ينالوا في الدولة إحدى المسؤوليات، فالعِلْمُ عِنْدَ السُّلْطانِ أوْلى الأوْلويات، وعلى أساسه يَنْتَقي الوُلاة والحُكّام والقُضاة، وغيرهم ممّن لهم في الحُكم أعلى المرتبات ....
... وكان هناك تاجرٌ رومِيٌّ يُدعى "الحِجازي" ، وقد لُقِّبَ بهذا اللَّقَب، لأنَّهُ قضى قِسْطاً كبيراً مِنْ عُمره في جزيرة العَرَب، غير أنه فضل الاستقرار في هذه البلاد، لِما رأى فيها من حريّةٍ وعدلٍ و رشاد، وتقديرٍ لِلعلمِ والعُلماء ، ففي مِثْلِ هذه الأجواء، كان يحْلُمُ بأن تَكْبر بنته الوحيدة " عِطْرُ الرَّيْحان" ، على فُرُشِ العِلمِ وتحت غطاء العدْلِ والأمان، خاصَّةً بعدما فارقته زوْجتهُ "ماريان" ، وقد كبُرَ في السّنِّ ولم يعُدْ يطيقُ السّفر بين البُلْدان.
وكانت عطر الريحان مذ فجر صباها آية في الحذاقة واللباقة وطلاقة اللسان، إذا تكلمت سَبْحَنَ السّامع وهو حيران، وإذا سألت تحيّر المجيب وهو دهشان، وإذا أجابت حَوْقَلَ السائل وهو فرحان، أما إذا أشعرت أو أنشدت أو خططت، فالكل يوحد الواحد المنان !
وهكذا يا سادة ياكرام، عاما من بعد عام، كُلما كبرت "عطر الريحان" ، كلما ازداد ذكاؤها حدّةً وكان تفوُّقُها جلياًّ ظاهراً للعيان، فما نُظّمت مُسابقةٌ إلا وفازت بها ، حتى غدا ذكرها في المدارس على كل لسان، وهي لم تزل صبية في أوج الرّيعان ...
الشيــخ الغريــب
ذات مرةٍ بينما كان أبوها الحجازي في دكانه منهمكا في ترتيب البضائع، إذ دخل عليه شيخٌ طاعنٌ في السّن كلّه هيبة ووقار، وقد غطّتْ صَدرهُ لِحْيةٌ كثيفةٌ ناصعة البياض، وكان في أحسن اللباس بعباءةٍ حريرية حمراء مُطرَّزة بالذهب الخالص، وعلى رأسه انتصبت قبعةٌ عريضة لطيفةُ الزُّرقة مزركشة بالسّماسم والأحجار الثمينة، لا يرتديها إلا الأشراف والحكماء... فقال له بعد أن سلّم واستأذن بالجلوس:
" يا سيدي، إنّ ابنتك فاقت جميع أترابها في العلم والنجابة والذكاء، وقد فاقت حتى مُعلّميها وأبهرت الأدباء وحيّرت الحُكماء، وهي يافعةٌ في السنّ ومازال لها قدر كبيرٌ على الأخذ والعطاء، فاذهب بها إلى مدينة السلطان حيث أكبر المدارس وأنبغ العلماء، فستزداد علما وتُصقلُ مواهبها وقد يكون لها شأن بين ألمع النُّجباء.... فلا تبْخل عليها.. سيّدي... ولا تُخيِّب لــيَ الرّجاء..."
فرح "الحجازيُّ" لكلام الشيخ الحكيم فرحاً جعل الدّموع تتناثر من محيط مقلتيه باستحياءٍ مُرهف،
فهُو من أجل تعليم ابنته الوحيدة استقرّ بهذه البلاد، أما وقد أظهرت نجابة أبهرت بها الحكماء، فهذا حلم يستحقُّ البُكاء، ويستحقُّ الرحيل إلى مدينة السلطان، وإلى أي مكان كان... فكل شيء يهون في سبيل الغالية " عطر الريحان" !! ...
وهذا يا سادة ياكرام، ماقدّره الله وهذا الذي كان ... حيث سافر الحجازيّ وابنته إلى عاصمة السلطان...
الرحلـــــة
وبعد يومين من السفر الشاق، حلاّ على أبواب المدينة وهما يتعجبان من عظمة أسوارها التي كادت رؤوسها أن تلتحم بحوافر السحاب، ولمّا دخلاها ازدادا انبهاراً على انبهارهما من بديع هندستها وعمرانها وجمال حدائقها وأزهارها واتساع أزقتها وأسواقها، وغرابة أطوار أبنائها وبناتها، فوقفا برهة متأملين في عجيب ما رأوا وكأنها سفرية إلى زمن مجهول !! ... ثم مشيا على الطريق الواسع العام وهما ينظران تائهيْن في مجموعات الشباب المتفرقة في زرافات فوق مربعاتٍ مستوية وقد رُسِمَت على مساحاتها أشكالا هندسية غريبة وأرقاما وحروفا كبيرة، فبعضهم يحمل آلات من الخشب وبعضهم يحمل مكعبات من الفولاذ والبعض الآخر يحمل أوعية بلورية فيها سوائل مختلفة الألوان، وكانوا يرتدون ثيابا متناسقة على حسب تجمعهم، فمجموعة بزيّ أخضر وأخرى بالأزرق وهكذا... وبعد تمعن كبير تبسّمت عطر الريحان حيث تعرّفت على بعض ما كانوا به منشغلون وشغفون وأخبرت أباها بأنها تجارب عملية في مجال العلوم التطبيقية الكونيّة، وأنه ازداد شوقها للتعلم والاستقرار في هذه المدينة الرائعة ! . لكنّ الحجازيَّ كان منقبضا كالنبل لدهشته في عظمة المدينة وفي كيفية التعامل مع أهلها الذين لا يبدون مكترثين لهذا الغريب، فكلهم مشغولون بأعمالهم وحاجاتهم، ففكر في التوجه إلى السوق كي يستريح قليلا في إحدى منتزهاتها، وعله يسأل التجار عن مكان يقضي فيه الليلة، فما كاد يغادر... حتى سمع صوتا يناديه من الخلف، فلما التفت متعجبا إذ برجل يهرول نحوه وقد ارتسمت على محياه ابتسامة عريضة وقال:" الحجازي؟ أليس كذلك؟ أنت الحجازي؟" فأجابه حائرا: " أجل... لكن .. معذرة يا سيدي.. فإنك غريب عن ذاكرتي؟ من أنت؟ " فردّ الرجل بدهشة قد احتوتها ألف فرحة:" يا الله ... الحمد لله أن ريّح خاطري ولاقاني بك !! فأنا منذ سنين كنت أعمل في التجارة مع أخي، وقد التقيت بك في سوق في بلاد فارس، وقد استدنت منك بضاعة وكنت وعدتك بدفع ثمنها بعد أسبوع، لكنّك غادرت قبلها ولم تُبقي لك أثرا، فسألت عنك في العام الذي بعده فقيل لي أنك انقطعت عن هذه الأسواق، فالحمد لله ثانية أن لاقاني بك كي أرد الدّين الذي أثقل مراراً ضمائري" ... تأمل الحجازي مليئا في وجهه ثم تبسم ضاحكا وقال:" سبحان الواحد القهار، ويا لغرابة الأقدار؟ فوالله قد نسيتك يا صديقي، فحقا أنت من هذه البلدة !!.. واعلم أنك أفرحتني بلقائك، وأزلت عني وحشتي في هذه المدينة العظيمة، واعلم أيضا يا أخي أني تركت الأسفار بين البلدان منذ زمن بعيد، وما لي حاجة في ثمن ما أخَذْتَهُ منّي، غير أني أريد الإقامة بينكم هنا، وما أرجوه منك أن تساعدني على ذلك، فلقد جِئتَ في مهبّ الريح..." ضحك الرّجل وعانقه وقال:" أنت كما أنت!! شهم ونبيل أيها الحجازي !" فاستضافه عنده وأكرمه ثم فرَّجه على المدينة وأسواقها وحدائقها وعرّفه على بعض أهلها، وبعد أسبوع أشار له على بيت كبير في قلب المدينة هجره صاحبه منذ مدّة طويلة، وقد تركه لأخيه وهو في ضيقٍ ماليّ كبير ويريد أن يبيعه بثمن زهيد، فقصده الحجازي واشترى منه ذلك البيت وشكر صديقه على جميل صنعه ثم عانقه وودعه، بعدها جمع حوائجه وبضائعه ونقلها إلى بيته الجديد الذي كان منصوبا بطابقين كإبريق فارسي بزخارف وألوان جميلة، واستدارت حول ذلك البيت حديقة صغيرة رائعة بشجيرات من حب الملوك والليمون والسفرجل والرمان، وتشبَّكت في صدرها خطوط متناسقة من الورد والبنفسج والياسمين، وكأنه قصر ماراجا، فنظفه وأثثه ثم خصص مكانا أسفله كي يتاجر فيه، وبعدها ذهب إلى أقرب مدرسة أمامه لتعليم عطر الريحان التي بدأت تألف الحياة في هذه المدينة الجديدة وطبائع أهلها...
وهكذا يا سادة يا كرام، بفضل الرحيم الرحمان، تيسر العسير على الشيخ المسكين الحيران، بعد أن توكل على من به يُستعان، فستره رغم غربة الديار، وآمنه من أسوء الأقدار ...
وكما تنبّأ الشيخ الحكيم، فبعد أعوام قلائل صارت عطر الريحان من أنجب التلاميذ في المدينة، وكانت متميّزة بحدّة ذكائها وقوّة استيعابها وبُعْدِ نظرها الخارق. وبالرغم من تفوقها في جميع الميادين إلاّ أنّها أبدت مَيْلاً عبقريا إلى علوم الفلسفة والحكمة والقانون.
وكانت المدارس مقسمة على مراحل في التعليم: مدارس الناشئين، فمدارس الشباب، ثم مدارس التعليم الممتاز، وهي المرحلة الأخيرة التي يختار فيها الدارس مجالا علميا محدّدا للتخصص والنبوغ فيه، وذلك بعد تقديم بحث وافي يكون بمثابة امتحان.
ســرالبــستــان
كان الحجازي كلما انتهى من البيع يذهب إلى حديقته وقد أصبح مولعاً بأزاهيرها وشجيراتها، فلا يجد متعة إلا وهو يسقي براعمها وينتف الحشيش عن جذورها ويزبر مازاد عليها من أوراق، فلا يتركها إلا وهي كبسمة رضيع تدغدغ أبصار الناظرين.
وذات مرة بينما كان يرتشف فنجانا من الشاي تحت ظلالها منتعشا بنسماتها المعطارة، إذ سمع خشخشة في أسفل إحدى الجذوع، فلما التفت رأى ثعباناً صغيرا يتسلل بين الأوراق المتساقطة على التراب، فأسرع إلى فأس صغيرة وهوى عليه بضربة قسمه نصفين، إثرها سمع صلصلة غريبة في عمق الأرض، فأخذه الفضول أن يحفر ويرفع التراب حتى لاح له بابٌ من الفولاذ منتصبٌ على وجه الأرض، فبقي يرفعه ويدفعه حتى انفتح على دهليزٍ بسلالم إلى أسفل الأرض، فأتى بشمعة ونزل إلى ذلك الدهليز الغريب...
تتبع,,,,,
فيُحكى فيما يُحكى في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، أنه كان في بلادِ الهند ملكاً يُدْعى " تاج الأركان" ، وقد اشتُهِرَ بالعدل والحكمة والإحسان، وبحبّه للعلوم والفلسفة والشِّعر والبيان، فما بنى مدينةً إلاّ وجعَلَها تعجُّ بالمدارس والمكتبات، وأتى لها بأحسن المعلِّمين وبأشهر المعلِّمات، من جميع الأرجاء ومن كل الجِهات ...
وكانت كلَّ سنةٍ تُقامُ المُسابقات،في جميع الميادين وشتى الاختصاصات، تُقدَّمُ فيها جوائزُ ثمينةٌ للفائزين والفائزات ... فكان الناس حريصين على تعليمِ أبنائهم والبنات، عسى أن يفوزوا يوما بإحْدى الجائزات، أوقد ينالوا في الدولة إحدى المسؤوليات، فالعِلْمُ عِنْدَ السُّلْطانِ أوْلى الأوْلويات، وعلى أساسه يَنْتَقي الوُلاة والحُكّام والقُضاة، وغيرهم ممّن لهم في الحُكم أعلى المرتبات ....
... وكان هناك تاجرٌ رومِيٌّ يُدعى "الحِجازي" ، وقد لُقِّبَ بهذا اللَّقَب، لأنَّهُ قضى قِسْطاً كبيراً مِنْ عُمره في جزيرة العَرَب، غير أنه فضل الاستقرار في هذه البلاد، لِما رأى فيها من حريّةٍ وعدلٍ و رشاد، وتقديرٍ لِلعلمِ والعُلماء ، ففي مِثْلِ هذه الأجواء، كان يحْلُمُ بأن تَكْبر بنته الوحيدة " عِطْرُ الرَّيْحان" ، على فُرُشِ العِلمِ وتحت غطاء العدْلِ والأمان، خاصَّةً بعدما فارقته زوْجتهُ "ماريان" ، وقد كبُرَ في السّنِّ ولم يعُدْ يطيقُ السّفر بين البُلْدان.
وكانت عطر الريحان مذ فجر صباها آية في الحذاقة واللباقة وطلاقة اللسان، إذا تكلمت سَبْحَنَ السّامع وهو حيران، وإذا سألت تحيّر المجيب وهو دهشان، وإذا أجابت حَوْقَلَ السائل وهو فرحان، أما إذا أشعرت أو أنشدت أو خططت، فالكل يوحد الواحد المنان !
وهكذا يا سادة ياكرام، عاما من بعد عام، كُلما كبرت "عطر الريحان" ، كلما ازداد ذكاؤها حدّةً وكان تفوُّقُها جلياًّ ظاهراً للعيان، فما نُظّمت مُسابقةٌ إلا وفازت بها ، حتى غدا ذكرها في المدارس على كل لسان، وهي لم تزل صبية في أوج الرّيعان ...
الشيــخ الغريــب
ذات مرةٍ بينما كان أبوها الحجازي في دكانه منهمكا في ترتيب البضائع، إذ دخل عليه شيخٌ طاعنٌ في السّن كلّه هيبة ووقار، وقد غطّتْ صَدرهُ لِحْيةٌ كثيفةٌ ناصعة البياض، وكان في أحسن اللباس بعباءةٍ حريرية حمراء مُطرَّزة بالذهب الخالص، وعلى رأسه انتصبت قبعةٌ عريضة لطيفةُ الزُّرقة مزركشة بالسّماسم والأحجار الثمينة، لا يرتديها إلا الأشراف والحكماء... فقال له بعد أن سلّم واستأذن بالجلوس:
" يا سيدي، إنّ ابنتك فاقت جميع أترابها في العلم والنجابة والذكاء، وقد فاقت حتى مُعلّميها وأبهرت الأدباء وحيّرت الحُكماء، وهي يافعةٌ في السنّ ومازال لها قدر كبيرٌ على الأخذ والعطاء، فاذهب بها إلى مدينة السلطان حيث أكبر المدارس وأنبغ العلماء، فستزداد علما وتُصقلُ مواهبها وقد يكون لها شأن بين ألمع النُّجباء.... فلا تبْخل عليها.. سيّدي... ولا تُخيِّب لــيَ الرّجاء..."
فرح "الحجازيُّ" لكلام الشيخ الحكيم فرحاً جعل الدّموع تتناثر من محيط مقلتيه باستحياءٍ مُرهف،
فهُو من أجل تعليم ابنته الوحيدة استقرّ بهذه البلاد، أما وقد أظهرت نجابة أبهرت بها الحكماء، فهذا حلم يستحقُّ البُكاء، ويستحقُّ الرحيل إلى مدينة السلطان، وإلى أي مكان كان... فكل شيء يهون في سبيل الغالية " عطر الريحان" !! ...
وهذا يا سادة ياكرام، ماقدّره الله وهذا الذي كان ... حيث سافر الحجازيّ وابنته إلى عاصمة السلطان...
الرحلـــــة
وبعد يومين من السفر الشاق، حلاّ على أبواب المدينة وهما يتعجبان من عظمة أسوارها التي كادت رؤوسها أن تلتحم بحوافر السحاب، ولمّا دخلاها ازدادا انبهاراً على انبهارهما من بديع هندستها وعمرانها وجمال حدائقها وأزهارها واتساع أزقتها وأسواقها، وغرابة أطوار أبنائها وبناتها، فوقفا برهة متأملين في عجيب ما رأوا وكأنها سفرية إلى زمن مجهول !! ... ثم مشيا على الطريق الواسع العام وهما ينظران تائهيْن في مجموعات الشباب المتفرقة في زرافات فوق مربعاتٍ مستوية وقد رُسِمَت على مساحاتها أشكالا هندسية غريبة وأرقاما وحروفا كبيرة، فبعضهم يحمل آلات من الخشب وبعضهم يحمل مكعبات من الفولاذ والبعض الآخر يحمل أوعية بلورية فيها سوائل مختلفة الألوان، وكانوا يرتدون ثيابا متناسقة على حسب تجمعهم، فمجموعة بزيّ أخضر وأخرى بالأزرق وهكذا... وبعد تمعن كبير تبسّمت عطر الريحان حيث تعرّفت على بعض ما كانوا به منشغلون وشغفون وأخبرت أباها بأنها تجارب عملية في مجال العلوم التطبيقية الكونيّة، وأنه ازداد شوقها للتعلم والاستقرار في هذه المدينة الرائعة ! . لكنّ الحجازيَّ كان منقبضا كالنبل لدهشته في عظمة المدينة وفي كيفية التعامل مع أهلها الذين لا يبدون مكترثين لهذا الغريب، فكلهم مشغولون بأعمالهم وحاجاتهم، ففكر في التوجه إلى السوق كي يستريح قليلا في إحدى منتزهاتها، وعله يسأل التجار عن مكان يقضي فيه الليلة، فما كاد يغادر... حتى سمع صوتا يناديه من الخلف، فلما التفت متعجبا إذ برجل يهرول نحوه وقد ارتسمت على محياه ابتسامة عريضة وقال:" الحجازي؟ أليس كذلك؟ أنت الحجازي؟" فأجابه حائرا: " أجل... لكن .. معذرة يا سيدي.. فإنك غريب عن ذاكرتي؟ من أنت؟ " فردّ الرجل بدهشة قد احتوتها ألف فرحة:" يا الله ... الحمد لله أن ريّح خاطري ولاقاني بك !! فأنا منذ سنين كنت أعمل في التجارة مع أخي، وقد التقيت بك في سوق في بلاد فارس، وقد استدنت منك بضاعة وكنت وعدتك بدفع ثمنها بعد أسبوع، لكنّك غادرت قبلها ولم تُبقي لك أثرا، فسألت عنك في العام الذي بعده فقيل لي أنك انقطعت عن هذه الأسواق، فالحمد لله ثانية أن لاقاني بك كي أرد الدّين الذي أثقل مراراً ضمائري" ... تأمل الحجازي مليئا في وجهه ثم تبسم ضاحكا وقال:" سبحان الواحد القهار، ويا لغرابة الأقدار؟ فوالله قد نسيتك يا صديقي، فحقا أنت من هذه البلدة !!.. واعلم أنك أفرحتني بلقائك، وأزلت عني وحشتي في هذه المدينة العظيمة، واعلم أيضا يا أخي أني تركت الأسفار بين البلدان منذ زمن بعيد، وما لي حاجة في ثمن ما أخَذْتَهُ منّي، غير أني أريد الإقامة بينكم هنا، وما أرجوه منك أن تساعدني على ذلك، فلقد جِئتَ في مهبّ الريح..." ضحك الرّجل وعانقه وقال:" أنت كما أنت!! شهم ونبيل أيها الحجازي !" فاستضافه عنده وأكرمه ثم فرَّجه على المدينة وأسواقها وحدائقها وعرّفه على بعض أهلها، وبعد أسبوع أشار له على بيت كبير في قلب المدينة هجره صاحبه منذ مدّة طويلة، وقد تركه لأخيه وهو في ضيقٍ ماليّ كبير ويريد أن يبيعه بثمن زهيد، فقصده الحجازي واشترى منه ذلك البيت وشكر صديقه على جميل صنعه ثم عانقه وودعه، بعدها جمع حوائجه وبضائعه ونقلها إلى بيته الجديد الذي كان منصوبا بطابقين كإبريق فارسي بزخارف وألوان جميلة، واستدارت حول ذلك البيت حديقة صغيرة رائعة بشجيرات من حب الملوك والليمون والسفرجل والرمان، وتشبَّكت في صدرها خطوط متناسقة من الورد والبنفسج والياسمين، وكأنه قصر ماراجا، فنظفه وأثثه ثم خصص مكانا أسفله كي يتاجر فيه، وبعدها ذهب إلى أقرب مدرسة أمامه لتعليم عطر الريحان التي بدأت تألف الحياة في هذه المدينة الجديدة وطبائع أهلها...
وهكذا يا سادة يا كرام، بفضل الرحيم الرحمان، تيسر العسير على الشيخ المسكين الحيران، بعد أن توكل على من به يُستعان، فستره رغم غربة الديار، وآمنه من أسوء الأقدار ...
وكما تنبّأ الشيخ الحكيم، فبعد أعوام قلائل صارت عطر الريحان من أنجب التلاميذ في المدينة، وكانت متميّزة بحدّة ذكائها وقوّة استيعابها وبُعْدِ نظرها الخارق. وبالرغم من تفوقها في جميع الميادين إلاّ أنّها أبدت مَيْلاً عبقريا إلى علوم الفلسفة والحكمة والقانون.
وكانت المدارس مقسمة على مراحل في التعليم: مدارس الناشئين، فمدارس الشباب، ثم مدارس التعليم الممتاز، وهي المرحلة الأخيرة التي يختار فيها الدارس مجالا علميا محدّدا للتخصص والنبوغ فيه، وذلك بعد تقديم بحث وافي يكون بمثابة امتحان.
ســرالبــستــان
كان الحجازي كلما انتهى من البيع يذهب إلى حديقته وقد أصبح مولعاً بأزاهيرها وشجيراتها، فلا يجد متعة إلا وهو يسقي براعمها وينتف الحشيش عن جذورها ويزبر مازاد عليها من أوراق، فلا يتركها إلا وهي كبسمة رضيع تدغدغ أبصار الناظرين.
وذات مرة بينما كان يرتشف فنجانا من الشاي تحت ظلالها منتعشا بنسماتها المعطارة، إذ سمع خشخشة في أسفل إحدى الجذوع، فلما التفت رأى ثعباناً صغيرا يتسلل بين الأوراق المتساقطة على التراب، فأسرع إلى فأس صغيرة وهوى عليه بضربة قسمه نصفين، إثرها سمع صلصلة غريبة في عمق الأرض، فأخذه الفضول أن يحفر ويرفع التراب حتى لاح له بابٌ من الفولاذ منتصبٌ على وجه الأرض، فبقي يرفعه ويدفعه حتى انفتح على دهليزٍ بسلالم إلى أسفل الأرض، فأتى بشمعة ونزل إلى ذلك الدهليز الغريب...
تتبع,,,,,