المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الهفــــــــــــــوف وجبل قارة


Chalice
16-06-2006, 20:34
بلدة الهفوف الواقعة في منطقة الأحساء من المملكة العربية السعودية على أطراف الربع الخالي، قد لا يخطر في البال أنها مكان مناسب لقضاء الإجازات، إلا أن عطلة نهاية الأسبوع التي قضيناها في تلك الواحة التاريخية كانت جميلة وممتعة.
الهفوف عاصمة الأحساء التي تشكل المنطقة الشرقية من العربية السعودية وتسمى أيضاً الحسا باللهجة الشعبية، ويعتمد سكان سهولها الساحلية الخصبة في عيشهم منذ قرون على صيد السمك والغوص على اللؤلؤ وزراعة أشجار النخيل والتجارة مع الخارج والداخل، وتقع الهفوف داخل البلاد في الجزء الغربي من المنطقة على بعد 135كيلو متر عن الدمام، وتبعد مسير خمس ساعات بالسيارة عن الحدود الكويتية السعودية.

في البداية يبدو مشهد الأرض رتيباً، ولكن عند منتصف الطريق إلى الدمام، تصبح الصحراء أكثر جمالاً، حيث تبدأ مجموعات أشجار النخيل بالظهور بين كثبان الرمل الصغيرة، كما أن قطعان الجمال السارحة طلباً للرعي تجعل المشهد أكثر روعة.
بعد عبور مدينتي الدمام والظهران النفطيتين اتجهنا نحو الداخل، كانت سكة القطار موازية للطريق الرئيسية بين الدمام والهفوف وعلى مسافة بعيدة كنا نرى قطاراً ينطلق الخطا وسط السهل الواسع، فبدا مثل دمية في تلك النقطة البعيدة، الهفوف واحدة من نقاط الاستراحة على خط القطار ما بين الدمام والرياض، إنها بلدة مليئة بالحركة والنشاط، وهذا ما تجسده مبانيها الحديثة التي تضم الكثير من الكليات الجامعية والمستشفيات الكبيرة، ولكن لا وجود لناطحات السحاب ذات المظهر الوحشي التي تنبت كالفطر في بلدان مجاورة، وأهم ما يلفت الانتباه في الهفوف فندق انتركونتننتال الإحساء، بتصميمه المستوحى من تصميم قلعة قروسطية مجاورة، ويقع على هضبة تطل على منظر جميل يتكون من أكبر واحة نخيل في العالم.
بعد الاستراحة انطلقنا لزيارة ذاك المبنى الذي كان النموذج المستلهم في تصميم الشكل المعماري للفندق وهو: قصر إبراهيم.
إنه عبارة عن قلعة ضخمة مربعة الشكل ذات جدران طينية سميكة مع أبراج مراقبة مخروطية قليلاً ومن المؤكد أنها كانت ذات يوم تمثل مشهداً مهيباً، أما الآن، فهي تقع على تقاطع طرق مزدحم، يحاصرها مصرف من جهة وشركات أخرى في الطرف الآخر، ومع ذلك تظل محتفظة بأبهتها عبر بساطتها الصارمة.
إحدى اللوحات الكبيرة على أحد جدرانها تقدم بعض المعلومات حول هذه القلعة، ولكنها تثير أيضاً بعض الأسئلة: قصر إبراهيم كان يمثل المركز الرئيسي لإدارة شبكة الدفاع في منطقة الحسا، وقد نشأ كمركز عسكري دائم، وكان في الوقت ذاته المقر الإداري للحكومة، وهناك الكثير من الأساطير حول اسم قصر إبراهيم، ومن الواضح أن هذا الاسم أطلق على القصر في القرن الرابع عشر الهجري (أواخر القرن الثامن عشر) لكن ليس هناك صلة أو علاقة بأي شخص مشهور تاريخياً، على كل حال، هناك رأي يقول إن هذا الاسم هو اسم إبراهيم بن إحساء الذي كان حاكم الإحساء خلال عهد الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد، ويبدو هذا الربط معقولاً.
تحرير الهفوف
إن تاريخ القصر الذي يشغل مساحة 18200 متر مربع يعود إلى فترة آل جابرين الذين حكموا الإحساء ما بين 840 و 941 هجرية (1436 ـ 1534م)، وشهد هذا القصر عدة أحداث تاريخية مهمة، استولى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن عليه ليلة28/5/1330هـ (1914م)، وهكذا شهد القصر فترة حكمين مختلفين، هما حكم العثمانيين وما يمثله من احتلال بالقوة، ثم فترة ساد فيها السلام والعدل والرحمة في منطقة الأحساء وأجزاء أخرى من المملكة خلال عهد المرحوم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن.
في كتابه الرائع »الكويت وجيرانها« كتب الكولونيل هارولد ديكسون الذي جاء إلى الكويت كمندوب سياسي بريطاني في العام 1929، عن الهفوف وتاريخها الحافل بالاضطرابات وكثير من المعارك التي وصفها حدثت خلال الحكم العثماني، فخلال إحدى الثورات التي قامت ضد العثمانيين عام 1874، قام الجنود الأتراك وأتباعهم بعمليات قتل ونهب دون تمييز بين سكان الهفوف إلى درجة أن بعض الضباط الأتراك اعترضوا على ناصر باشا، والي البصرة الذي كان يتحصن في القلعة ليشرف على عملية احتلال البلدة. »لقد رفض نصائحهم، قائلاً إن الإجراءات الصارمة ضرورية لتكون عبرة لهم« كما يقول ديكسون.
تقول اللوحة الموجودة على جدار القلعة، إن تحرير الهفوف تم على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، المعروف بشكل أوسع بالملك ابن سعود، ويورد الكولونيل ديكسون بعض التفاصيل عن استيلاء الملك على هذه المدينة فيقول »ذات ليلة مظلمة، تحرك مع ألف وخمسمائة من رجاله على ظهور الجمال السريعة من الرياض إلى الهفوف، وتسلقوا الأسوار الخارجية للقلعة... وبنجاح استطاعوا إجبار الحامية ـ حوالي ألف عسكري تركي ـ على الاستسلام«.
كنا نود الدخول إلى داخل القلعة لإلقاء نظرة أكثر قرباً على الأماكن التي شهدت الكثير من الأحداث المثيرة، إلا أن الأبواب الخشبية الضخمة كانت مغلقة، وبدلاً من ذلك ألقينا نظرة على الجدار القديم جداً، وبينما كنا نسير بالسيارة ببطء في الأزقة الضيقة استأثرت باهتمامنا المتاريس المحززة والنوافذ المقوسة والأبواب الخشبية المرصعة بالنحاس والجدران الطينية المتهدمة، كان شيئاً ممتعاً لو أتيح لنا قضاء مزيد من الوقت هناك، إلا أن الوقت كان متأخراً، ومع اقتراب المساء توجهنا عائدين إلى الفندق.
في محيط جبل عجيب
في الصباح التالي، انطلقنا متشوقين لمتابعة التعرف على الهفوف وضواحيها، كانت وجهتنا الأولى جبل قارا، الذي وصلناه عبر طريق ضيق يتعرج وسط بساتين النخيل الخضراء، يتم تأمين المياه لهذه المزارع بوساطة نظام الأقنية الباطنية (الأفلاج) وفي بعض بساتين النخيل تزرع أشجار البابايا بين النخيل، ووسط بقع الضوء تحتها تزرع الخضراوات على بقع صغيرة من الأرض، بعض هذه المزارع يمكن تأجيرها، حيث تنتج سلعاً تتدرج من الأساسي إلى الكمالي.
ويستمر الطريق عابراً إحدى القرى، وعند أحد المنعطفات نواجه المشهد الرائع لجبل قارا، الذي يصفه ديكسون بالركام الغريب »مجموعة جبال مجتمعة كتلة واحدة، أو حصن على شكل اكروبوليس« أي شكلة هضبة مسطحة القمة، ولدى السير حول أسفل هذه الهضبة الوردية اللون والمكونة من الحجارة الرملية، تذكرت حالاً تلك المشاهد الصخرية الغريبة في أريزونا الأميركية« ويتابع ديكسون: »على جميع جوانب جبل قارا، حفرت الريح الصحراوية الحارة أخاديد ومسارب شديدة الانحدار، والأهم منها سلسلة من الأعمدة والدعامات العملاقة الرائعة تشبه تلك التي خلفها عمالقة الماضي«.
تابعنا السير حول محيط جبل قارا الذي تحيط به أربع قرى تتصل إحداها بالأخرى، توقفنا في إحدى الاستراحات، حيث يوجد مطعم صغير وبعض الطاولات للمتنزهين، وهناك تعرفنا على ممر يصل إلى قمة الجبل الصخري، ولوحة باللغة العربية تقول: إن جبل قارا يعد من أهم المعالم الجغرافية في العربية السعودية والعالم: »طوله من الشمال إلى الجنوب 2000م ومن الشرق إلى الغرب 800م، وارتفاعه عن مستوى سطح البحر 210م« وتضيف اللوحة »مصدر كهوفه حركة أمواج البحر وعوامل الحت الأخرى«.
ومع تقدمنا على الممر كنا نشاهد أشكالاً متنوعة مدهشة عند كل منعطف أو زاوية، واجهنا مجموعة من الصبية السعوديين في المرحلة المتوسطة من دراستهم يقومون بجولة ميدانية في أحد الحقول، كثيرون منهم كانوا يتسلقون المنحدر الصخري مثل ماعز الجبل، ولكن هذا التسلق كان خطراً بسبب ارتداء معظمهم الدشداشات والصنادل الجلدية، وكان بعضهم الآخر يستطلع الكهوف الموجودة هناك، والسؤال الذي شغلني هو كيف سيتمكن معلموهم من جمعهم مرة أخرى؟.
متاهة تحت الأرض
كنت وزوجي الغريبين الوحيدين، وكان الأولاد فضوليين بمنتهى اللباقة، قال أحدهم بابتسامة واسعة »أنتما من الكويت؟ مرحباً بكم في العربية السعودية، بلدكما الثاني«.
ويتوقف طالب آخر ليقول لنا »إذا ذهبتما إلى هناك في طريقكما إلى داخل التلال، ستجدان كثيراً من السحالي والأفاعي ـ إنها كبيرة«.
تابعنا طريقنا إلى أن دخلنا الكهوف عبر شق في الجرف الصخري، ومرة أخرى يقدم الكولونيل ديكسون وصفاً جميلاً لهذا المشهد: »في الواجهة الجنوبية للجبل وعند أسفل سلسلة من الأعمدة التي تبدو على شكل نتوءات كلسية وصدوع ضيقة، يقع كهف إبراهيم، لقد حاولت مرتين استكشافه، وفي كل مرة كنت أعود خائباً بعد رؤية جزء صغير فقط من تجويفه الواسع، الذي يقول البدو إن المرء قد يذهب فيه بلا عودة ما لم يربط حبلاً في مدخله ليساعده في معرفة طريق عودته«.
ويكفي القول إن الانطباع الذي يتركه كهف إبراهيم في الذهن هو الانطباع الذي يولده عدد لا يحصى من الكهوف، بعضها كبير، ويشبه الكاتدرائية، والبعض صغير لا يستحق الذكر، مع وجود عدد كبير من الممرات الجانبية المتفرعة عن الممر الرئيسي لتشكل متاهة مدهشة، بل ومخيفة تحت الأرض.
درجة الحرارة داخل الكهف أكثر برودة من الهواء الخارجي، ولهذا السبب كان بعض سكان الهفوف القدامى يأوون إلى هذا المكان في الصيف، وتقول حكاية رائجة محلياً أن النبي إبراهيم (عليه السلام) عاش ذات يوم في واحة الهفوف، ويقال إنه كان شيخاً كبيراً يمتلك عدداً كبيراً من الأغنام والماعز، ولكي يهرب من الحرارة اللاهبة كان يسوق قطيعه إلى داخل الكهف عند الظهيرة، ويبقى هناك حتى المساء.
ويقال إن هذا الشيخ أجبر في النهاية على مغادرة الهفوف نتيجة سلسلة مشاجرات مع ابن عمه العنيد، ولذلك توجه شمالا مع جماعته وماشيته، كي ينجز ما هو مقدر له.
في الماضي غير البعيد، كان الأمير سعود بن عبدالله الجلوي آل سعود ـ الذي أصبح حاكماً للهفوف عام 1950 ـ يستفيد من ميزة البرودة الطبيعية هذه، فحول أحد هذه الكهوف غير البعيدة عن المدخل الرئيسي إلى مجلس له ولحاشيته خلال اشتداد الحر في فصل الصيف.
البحث عن المسجد
الممرات داخل الكهف مضاءة الآن بمصابيح كهربائية، وقد ركبت حواجز حديدية في الجدران الصخرية في الأماكن التي ينحدر فيها الممر أو يصعد بحدة، ومع ذلك تظل هناك إمكانية لأن يتوه المرء في هذه الطريق الملتوية، ولذلك أقفلنا راجعين بعد بعض الوقت نحو المخرج.
غادرنا جبل قارا متوجهين إلى قرية جواثا المجاورة، حيث علمنا بوجود مسجد قديم جداً، كان النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) قد صلى فيه عند طرف أحد بساتين النخيل وجدنا بناء متداعياً من الطين يبدو قديماً جداً، ولدى تفحصه عن قرب تبين أنه حصن صغير وليس مسجداً.
تابعنا البحث مع وقفات متكررة للسؤال عن الاتجاهات بعد السير مرات كثيرة في اتجاهات خاطئة، أخبرنا شيخ ذو لحية بيضاء أن الحصن الذي رأيناه بنته قبل قرون قبيلة بني كليب، ودعانا الرجل إلى بيته لتناول الشاي، لكنا أخبرناه أنا نريد رؤية المسجد، فقال »اذهبوا بسلام إذن، وأهلاً بكم لتناول الشاي فيما بعد«.
في النهاية يظل موقع المسجد غير مؤكد، إلا أننا قابلنا بشراً طيبين، وتمتعنا برؤية مشاهد ممتعة ونحن نتجول في المنطقة، وفي طريق عودتنا إلى الفندق مررنا ثانية بجبل قارا، كانت الشمس قد انحدرت واكتسبت الصخور الضخمة والمنحدرات لونا عسليا بينما كانت الظلال المتطاولة تجعل المشهد أكثر جمالاً.

بقلـــم : كلوديا فاركاس الرشود
ترجمة : محمد جمول

المرجـــــــــــــــــــــــــ ع (...
)

Be.Mine
17-06-2006, 14:09
كلوديا الرشود! :conf:

الله يرفع قدرها .. مقال حلو جدا
جبل قاره اتذكر اني زرته زماااااااااااااااااااااااااان من زمااااااااااااااان
اللي اتذكره مزبوط انه كان يفجع وكانت جدارنه تعاني من شخابيط المراهقين
اتذكر كل ما لقينا صخرة نلاقي عليها كلام بالبخاخات حتى لو كانت مرتفعه!
هوه صحيح معلم مهم ولو اهتم فيه كان صار مكان سياحي ومكسب لأهل الهفوف ..
غير كذا يعاني من قصور إعلامي ..
وقصور من البلدية وقصور من المسوؤلين عن السياحة الداخلية ..
يعني زيه زي اي معلم تاريخي !!

:

.
تشيلييز .. يعطيك العافية